fbpx

الثقافة

أعتقد أن الطريقة الواضحة للتعامل مع الظاهرة اليونانية هي التعامل من منظور الحرية. ليست الحرية المؤسسية، بل حرية وعي الذات والحب الممزوج بالنشوة، وحرية الملاحظة والتفكير غير الملتزمين في معجزة الوجود الجميل والمؤلم، ومراقبة مصير البشرية التي تتحرك تحت النور غير المفسر. تولّد اليونان -المثالية والصوفية والواقعية- مفهوم الحقيقة، وتشريح (انعدام) سبب النور الهادف. مُحملاً بالكبرياء والتنفيس والنار والازدهار، يزرع النور اليوناني الحضارة التي قدمت مفهوم الحقيقة على أنها عدم النسيان.

تشكل الحضارة اليونانية -التي تضفي روحانية على الأشكال والألوان والنماذج الأصلية للمناظر الطبيعية المختلطة- لوحة جدارية شفافة وعميقة على حد سواء، تلك اللوحة تبلور فكرة التكيف مع تعقيد العالم الغامض. لذا فإن ما نسميه الحضارة اليونانية أو الهيلينية يتجاوز حدود الدولة القومية اليونانية، إذ يتعلق بإدراك التعبير عن الخلق. الأمر الذي يؤدي إلى إخراج تفسير وأنطولوجيا (علم الوجود) تربط بين الفكرة والتجربة والنظرية والعمل، مما يسلط الضوء على الطريقة التي يرتبط بها جنسنا البشري بالكون.

عبر اكتشاف تناغم التناقضات، تستند الأنطولوجيا اليونانية على التعايش والتآزر بين الجوانب غير المتجانسة للطبيعة وميول الوجود البشري. ونظرًا لأن الحوار بين (أبولو) وديونيسوس لا ينتهي أبدًا، فإننا نوازن بين (الفوضى) و(الشعارات)، بين الشكل المثالي والنشوة التفكيكية. المثالية والتجريبية، أفلاطون وأرسطو، المنطقية والحسية، الأبيقورية والرواقية، وصلت الهيلينية إلى تصور الله على أنه العدم الإيجابي الأبدي، وهي فكرة مثالية ومفارقة تتجاوز أي ضرورة تاريخية وطبيعية وتميز خيال العصر البيزنطي. ومن خلال الجمع بين التفسير الفلسفي والمفهوم الأسطوري مع دوران عجلة الزمن، تشارك الروح الهيلينية في طريقها في بعض اللحظات والحركات الأروع في تاريخ البشرية.

تتجسد اليونان -الفضولية والتحليلية والإبداعية التفكيكية والعلمية والشاعرية- في عصر النهضة، وتشكل منارة للتنوير. يمكن العثور على الهيلينية المهذبة والسياسية والمخدّرة في الثورات (الأمريكية والفرنسية) التي ولّدت الديمقراطية الحديثة، وكذلك في بحر الشعر بدءًا من شكسبير حتى تي. إس إليوت ومن رامبو حتى بيكيت.

المخترع والفنان والمفكر الذي يتعمق في الطريقة التي يصور بها الوجود ذاته، مجزأ وشاملاً، تقنيًا ونقديًا، ميتافيزيقيًا وواقعيًا. تتجلى الروح اليونانية في أعمال دافنشي ورودين، في نظريات التحليل النفسي لسيجموند فرويد وكارل يونج، في الفكر اللاسلطوي لنعوم تشومسكي، في العبقرية المبتكرة لستيف جوبز وكذلك في الشغف المأساوي للتعبير التجريدي مثل جاكسون بولوك ومارك روثكو.

اليونان ليست أرضًا، بل سماءً مفتوحة. إنه وطن روحي، ويمثل دوامة في الحمض النووي غير المادي للبشرية.

تختلف اليونان الساذجة والانتقادية مع إضفاء الطابع المؤسسي المتجانس لحقيقة تاريخية مُحددة مسبقًا وفرضها. فضلاً عن ذلك، فإن مفهوم التقدم -من خلال المنظور اليوناني- لا يحدث كنتيجة ضرورية لإجراء تاريخي خطي، ولكنه يشكل نتيجة للميل البشري المتأصل للاكتشاف، والذي يمكن أن تنشأ منه المأساة.

أسخيلوس وأريستوفانيس وبروميثيوس والجوكر، في الوقت ذاته، تدرك الروح الهيلينية -المنفتحة على التقدم التقني والتطور التكنولوجي- الجانب المأساوي الذي يمكن أن يشمله أي نشاط بشري، ويستجيب بوجه مرير للسخرية لنفاق المجتمع المتحضر.

في الوقت الحاضر، تتحدى التكنولوجيا الطريقة التي نتعامل بها مع الطبيعة والعالم والآخر داخل البيئة الاجتماعية. في عصر الإنترنت والذكاء الاصطناعي، ومع عدم وضوح الحدود بين الحرية والسجن، أُسيء تفسير مفاهيم مثل “الديمقراطية” و”الحرية” أو تم تقويضها، وسادت هيمنة الشمولية التقنية، وأصبح التهديد النووي موجودًا دائمًا. يمكن للأنطولوجيا اليونانية أن تقدم لنا القيم على شكل قوس قزح في السماء الملبدة بالغيوم لكون أورويل.

تذكيرًا بالحوار الدائم بين القدر والإرادة الحرة، يجب إعادة التفكير في حضارة الوعي الذاتي والنقد الذاتي إذا أردنا إعادة اختراع نظام تعليمي يشجع على الاستكشاف الإبداعي واستقلالية الفكر. تعليم يركز على خلق أفراد مُحررين ومبدعين ومستقلين وقادرين على التفكير بشكل نقدي، دون أن تتلاعب بهم منتجات إبداعاتهم. بشرٌ لن يصبحوا أدواتًا لأدواتهم الخاصة.

يمكن لليونان الخالدة أن تنمي هذا الانتشار الإبداعي بين التطور التكنولوجي والفكر النقدي والتعبير الفني. ونحن -اليونانيون- نتحمل المسؤولية التاريخية للاستثمار في تحقيق وجهات نظر العالم الكوني الذي شهد ضوء النهاء في بلادنا.

من خلال تجنب الزينة والعدمية، أعتبر أنه إذا أردنا البقاء في إطار الثورة الصناعية الرابعة دون أن نكون عملاء للتقدم الأعمى، يتعيّن علينا إعادة دراسة اليونان وإدراك روح حضارتها بعيدًا عن الأفكار المبتذلة الكلاسيكية. ونظرًا لكونها ليست جنة بعيدة المنال ولا مدينة فاضلة قديمة وإنما اقتراحًا وجوديًا، فإن اليونان وروحها ملهمة جميلة كمتحف حي وحادة كمركز أبحاث، ويمكن أن تصبح مرة أخرى دليلًا ثمينًا للحلقة الجديدة من ملحمة جنسنا البشري في الزمكان.