fbpx

التاريخ

لقد انتهيت من كتابة أعمالي، ليس كمقال لكسب استحسان اللحظة، وإنما كملكية تدوم للأبد.

ثوقيديدس، 16

يتأرجح التاريخ اليوناني بين الأسطورة والواقع. وقد نجح اليونانيون والمغامرون المستقلون منذ فجر تاريخهم -بحلول القرن الثامن قبل الميلاد- في استعمار الجزء الأكبر من البحر الأبيض المتوسط، من البحر الأسود وتركيا وحتى شمال إفريقيا وإيطاليا وفرنسا وإسبانيا.


وفي الفترة الممتدة بين القرنين السابع والخامس قبل الميلاد، تم إنشاء دول المدن اليونانية (بوليس) مثل أثينا وإسبرطة وثيبي وأفسس وبيزنطة ونيابوليس ومرسيليا، والتي كانت تُعد كيانات جيوسياسية لها منظماتها وحكومتها ومؤسساتها الخاصة بها، ومع ذلك كانت تتشارك جميعها في نفس اللغة (اليونانية) والدين والثقافة. بذلك تمكن اليونانيون من إنشاء إطار ثقافي فريد يجمع بين التنوع وسيادة الدولة ووحدتها والهوية الثقافية المشتركة.


يمثل القرنان السادس والخامس قبل الميلاد ذروة فترة انحدار مفاجئ في التاريخ اليوناني. خلال هذه الفترة، ظهرت أول ديموقراطية واسعة النطاق في أثينا. وقد كان الحكم الديموقراطي الأثيني وسيلة لمنح الشعب اليوناني التمثيل والسلطة السياسية. وفي نفس الوقت -خلال هذه الفترة- شهد فن الدراما ضوء النهار. يبدو الأمر مثيرًا للسخرية، لكن كان التعايش بين الديموقراطية والدراما راسخ في تاريخ المدينة التي وُلد فيها هذان الشخصان. فبالنسبة لبعض المؤرخين، يُشكل تاريخ العصر الذهبي في أثينا مسرحية تضم بريكليس وسقراط باعتبارهم أبطالها المأساويين. وبالنسبة لهم، شهدت غطرسة بريكليس وأثينا نهاية دراماتيكية كاملة شأنها شأن أي شخصيات أسطورية. بريكليس -القائد العظيم ورجل الدولة في العصر الذهبي لأثينا- سينال منه الطاعون الذي دمّر المدينة نتيجة الحرب البيلوبونيسية ضد إسبرطة بين عام 431 وعام 404 قبل الميلاد. ورغم اقتناعها بانتصارها الحتمي، فقد خسرت أثينا الحرب، إلى جانب خسارتها إمبراطوريتها وتفوقها الثقافي. طالت الحرب البيلوبونيسية كل قوة عظمى في شبه الجزيرة اليونانية، بالإضافة إلى مستعمراتهم فيما وراء البحار.


مكّنت الكارثة التي سببتها الحرب مقدونيا الشمالية -تحت حكم ملكها فيليب الثاني وابنه الإسكندر الأكبر- من السيطرة على البلاد. أنجز الإسكندر الشاب -الذي تلقى تعليمه على يد أرسطو- مشروع والده لقيادة الإغريق في غزو بلاد فارس، لكن بالطبع تجاوز الابن طموحات والده بغزو الهند عام 326 قبل الميلاد. قاد إنجاز الإسكندر الرائع إلى ميلاد حقبة جديدة من التاريخ اليوناني وهي العصر الهلنستي.


يتميز العصر الهلنستي بتحول المجتمع اليوناني من دول المدن المحلية والانطوائية إلى الثقافة المنفتحة والعالمية، والتي تسللت إلى شرق البحر الأبيض المتوسط بالكامل وجنوب غرب آسيا. ورغم حقيقة أن العالم الهلنستي كان يمثل بوتقة تنصهر فيها الشعوب والثقافات، إلا أن الفكر وأسلوب الحياة اليوناني هيمنا على الشؤون العامة في ذلك الوقت، وكانت اللغة اليونانية هي اللغة الرسمية.


في القرن الثاني قبل الميلاد، أصبحت الأرضي اليونانية جزءًا من الإمبراطورية الرومانية. استمرت التحالفات ودول المدن (البوليس) في إدارة أنفسهم، لكنهم الآن أصبحوا تحت إشراف وثيق من الإمبراطورية الرومانية. بعدها أصبح التوسع الروماني إلى الشرق أسهل من خلال فتوحات الإسكندر الأكبر، والذي أدخل الأنطولوجيا السياسية والإدارة والحياة الحضرية اليونانية في جميع البلاد حتى أفغانستان.


بحلول القرن الرابع الميلادي، كان من الواضح أن الإمبراطورية الرومانية أصبحت أكبر من أن تُحكم مركزيًا. ولهذا السبب وفي عام 330م، قام الإمبراطور الروماني قسطنطين بتقسيم الإمبراطورية إلى نصفين، يتركّز النصف الشرقي على البيزنطية اليونانية وأطلق عليه اسم القسطنطينية (اسطنبول الآن). وفي القرن الخامس، عندما تسبّبت الحملات الجرمانية في سقوط روما وانهارت الإمبراطورية الرومانية الغربية، أصبحت القسطنطينية المركز الجديد للإمبراطورية الرومانية، والمعروفة باسم الإمبراطورية البيزنطية.


يُعد الرجل -يُشتق اسمه من “بيزاس”- الذي أسس مستعمرة يونانية قديمة أو بيزنطة أو الإمبراطورية الرومانية الشرقية استمرارًا للإمبراطورية الرومانية. تقع القسطنطينية على مفترق الطرق بين أوروبا وإفريقيا وآسيا، وكانت عاصمة الإمبراطورية هي النقطة الجيوستراتيجية والتجارية المثالية. خضعت بيزنطة لحكم القانون الروماني والمؤسسات السياسية الرومانية. كانت ديانتها الرسمية هي المسيحية ولغتها الرسمية هي اللاتينية. ورغم ذلك، كان يتم التحدث باللغة اليونانية على نطاق واسع، وتم غزو العالم البيزنطي من خلال التعليم والأدب والثقافة اليونانية.


ظلّت الإمبراطورية البيزنطية موجودة من عام 330م وحتى عام 1453م عندما سقطت عاصمتها المجيدة في أيدي الأتراك العثمانيين. ظلّت اليونان وغيرها من أراضي الإمبراطورية البيزنطية القديمة تحت سيطرة العثمانيين لما يقرب من 400 عام.


عاش اليونانيون فترة صراع خلال القرن التاسع عشر والنصف الأول من القرن العشرين، لكنهم أخيرًا حققوا حلمهم في إنشاء بلدهم المستقل الحالي. في 25 مارس 1821م، بدأت حرب الاستقلال اليونانية، حتى وصلت البلاد إلى شكلها الحالي في عام 1947م.


منذ بداية وجودها كدولة حديثة في عام 1830م، كانت اليونان عبارة عن مملكة. وفي عام 1967م أطاح المجلس العسكري بالحكومة وأنهى النظام الملكي في اليونان. سقط النظام العسكري في عام 1974م، وفي عام 1975م بدأت اليونان حياة سياسية جديدة وأصبحت جمهورية ديموقراطية. أصبحت اليونان عضوًا في الاتحاد الأوروبي منذ عام 1981م، وانضمت إلى منطقة اليورو في عام 2001م.